عبد الرحمن بن محمد البكري

114

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

وقال : من جعل القرآن إمامه ، والسنة دليله ، واللّه مفزعه ، والرسول حجته ، والحلال زاده ، والأبرار إخوانه سبقت به غدا إلى الفردوس أعماله . وقال : السلامة في الاقتداء بالصحابة رضى اللّه عنهم ، والأخذ بما أجمعوا عليه ، والإمساك عما تنازعوا فيه ، والغنيمة في الاقتداء بهم بموالاتهم أجمعين ، وذكرهم بالجميل ، والتخلق بآدابهم في الدين . وقال : لما ترك الناس علم محاسبة النفوس فقدوا علم المراقبة للّه عز وجل فزالت من قلوبهم الخشية ، ولما ضيعوا علم الرعاية لواجب حق اللّه عليهم سقط من وجوههم الحياء ، فلا وفاء بعهد ، ولا حفظ في غيبة ، ولا حق بصحبة ، ولا مولاة بصحة ، ولا ائتلاف بنية .

--> - للحظوظ ، وما تطبع عليه من التقاليد والمحاكاة . . قبل الدخول في الطريق . ولكي يصدق السالك في السلوك متوجها إلى اللّه ، يتوجب عليه أن يهجر الهوى ، ومطالب النفس الأمارة وحظوظها وشهواتها ، وأن يتجه بكليته وبكامل إرادته إلى اللّه سبحانه وتعالى ، فإذا أراد أن يتحرر من قيود الهوى والشهوة ، يجب عليه أن يصدق النية ويبدأ العمل . إذن : الإرادة الطبيعية والنية الصادقة ، هما الأساس الذي يجب أن يسير عليه المريد الصادق ، بل هما أول الطريق الموصل إلى تطهير الباطن : من برائن الشهوات والضلالات . وصدق الإرادة إنما يمكن في الاتجاه إلى اللّه تعالى فحسب ، فهو إقبال خالص في طاعته ، وذلك عملا بكتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، فيستضىء بنور اللّه تعالى ، ولا يرى حظا لنفسه ، وإنما تسترسل إرادته مع الإرادة الإلهية ، ويعمى عن غيره تعالى من الخلق والمخلوقات . وانعقاد الإرادة إذن هو أساس الحب ، وما أراد المريد إلا بعد أن خلصت إرادته ، وما خلصت إرادته إلا بعد أن تطهرت نفسه ، ففتح على قلبه جمرة الخشية والخوف من اللّه . فما يبقى له إلا اللّه ناصرا . . وهاديا ومعينا ، فنومه وأكله ووجده وكلامه ضرورة ، وهو يروض نفسه وينصحها ، ولا يجيبها إلى هواها ، وينعم باللّه ويأنس بالخلوة مع اللّه ، ويرضى بقضاء اللّه ويختار أمر اللّه ، ويستحى من النظر للّه ، ويقف على كل سبب يقربه من اللّه ، فهو مخلص على الدوام ، صادق على الاستمرار . وعندما يصل المريد إلى هذه الدرجة يحبه اللّه ، ويقربه إليه ، فهو إذن مريد ، قريب من رحمة اللّه ، ولطف اللّه . انظر : ( الحقيقة والشريعة للشرقاوى 179 ، 181 ) .